المسعفون في حقول الألغام: أبطال أعمال مكافحة الألغام الصامتون

تدريب المسعف

ليس لأي فريق إنساني لإزالة الألغام مكلف بالسفر والعمل في مواقع إزالة الألغام الشديدة الخطورة وفي المواقع النائية أن يؤدى مهامه دون وجود مسعفون وطنيون مدربون على علاج الصدمات.

المسعفون في حقول الألغام: أبطال أعمال مكافحة الألغام الصامتون

يضم مشروع مسام حاليا 42 مسعفا منتشرين في اليمن: 32 طبيبًا من الفريق الوطني لإزالة الألغام يدويًا ، وطبيبان يمنيان – منسقان طبيان تقع مقراتهم في مأرب وفي العاصمة عدن – بالاضافة الى أربعة مسعفين دوليين، يساعدهم ثلاثة أطباء يمنيين مؤهلين تأهيلا كاملا يعملون في عيادات مشروع مسام وفي الميدان.

يتمثل دور المسعفين الدوليين في تدريب وارشاد وتوجيه مسعفي الفريق الوطني وتقديم أي دعم طبي آخر لمشروع مسام حسب الحاجة.

“مسعفو حقول الألغام”

وقال الدكتور جوليان سبانز، المنسق الطبي لمشروع مسام من مدينة مأرب الشرقية: “يمكن أن تكون البيئة التي يعمل فيها مسعفو إزالة الألغام صعبة للغاية، وأنواع الإصابات التي يواجهونها هي ما يميز المسعف العامل فى مجال إزالة الألغام عن المسعفين الذين قد يعملون في قطاعات أخرى”.

“عادة ما يعاني المريض الذى تعرض للإصابة في حادث انفجار لغم من إصابات خطيرة تهدد حياته والتي غالبا ما تشمل عمليات بتر مؤلمة وإصابات داخلية خطيرة ويجب أن يكون أطباؤنا مستعدين دائما لعلاج هؤلاء المرضى والعمل على استقرار حالتهم في الميدان”.

غالبا ما تعمل الفرق في مناطق معزولة نسبيا ، لذلك غالبا ما يكون المستوى 2 (وحدة الرعاية الفائقة) أوالمستوى 3 المستشفيات (العناية المركزة) على بعد مسافة من موقع الحادث.

وأضاف سبانز: “لا يتمتع أطباؤنا في كثير من الأحيان برفاهية طلب دعم طبي إضافي ويتحملون مسؤولية كبيرة في بذل كل ما في وسعهم لنقل المريض إلى المستشفى في حالة مستقرة نسبيا”.

تدريب مستمر

بالرغم أن مسعفي إزالة الألغام في مشروع مسام هم بالفعل ممرضون مؤهلون للتعامل مع الصدمات أو مساعدين طبيين، مع خبرة سابقة في العمل في غرف الطوارئ في المستشفيات، مع ذلك يتم تدريبهم على مهارات دعم الحياة المتقدمة من قبل المسعفين الدوليين بمجرد انضمامهم إلى مشروع مسام لضمان حصولهم على المعرفة والمهارات اللازمة لتقديم العلاج المنقذ لحياة المصابين في الميدان.

أوضح الطبيب الدولي آتي كروجر من عيادته في عدن، “كلما ذهبنا إلى الميدان ،يقدم المسعفون الدوليون تدريبا مخصصا وتحديثات لمسعفي الرعاية الطبية. نتحدث معهم  عن أهمية  النظافة في مثل هذه البيئات، ونذكرهم أن وظيفتهم  تشمل واجبات اخرى مثل المراقبة الفعلية، والحصول على المياه، والفحوصات، وما إلى ذلك…”،. نحن نعتمد كثيرا على مسعفينا . حيث أن المؤهل المطلوب لهذه الوظيفة  هو – دبلوم التمريض – العالى. نحن نفضل أن يكون  لدى خبراء الرعاية الأولية لدينا خبرات فى مجال عمل وحدات العناية المركزة و غرف الطوارئ، ولكننا بعد ذلك نقدم لهم تدريبا عمليا ونظريا للعمل بثقة في بيئة  قاسية غير خاضعة للرقابة “.

وأشار كروجر إلى أن العاملين الجدد يتلقون تدريبا طبيا  (دعم الحياة المتقدم) مع التركيز على الصحة الأولية والرعاية الطبية (“حوالي 90٪ من مهمتهم”).

وأضاف كروغر: “يجب أن يكونوا على دراية كاملة بالحالة الصحية لفريقهم، بحيث يمكن لهم ان يكتشفوا علامات اصابتهم بالجفاف أو النوبات القلبية أو السكتة الدماغية قبل فوات الأوان”. “الوقاية خير من العلاج”.

خلال هذا التدريب ، يتعمق المسعفون الدوليون أيضا في رعاية  مصابى الصدمات لتحسين معدل شفاء المصابين.

كما يتم توفير تدريب تنشيطي  سنوى لمسعفي الفريق لضمان مواكبتهم لأحدث بروتوكولات العلاج الطبي الدولية. يتضمن ذلك تدريب الفريق بكامله على اخلاء المصابين. تم إجراء آخر تدريب تنشيطي والذى استمر لعدة أسابيع  بعد عطلة عيد الفطر في أبريل 2023 في كل من عدن ومأرب.

تدريب المسعف

أهمية ضمان الجودة

وأوضح كروغر، الذي يتخذ من عدن مقرا له، أنه على الرغم من الصعوبات التى تواجهها بعض فرق إزالة الألغام للوصول للمواقع بسبب التضاريس والظروف الأمنية الغير مستقرة بالقرب من الخطوط الأمامية، فإن فريقه يعطي الأولوية لضمان الجودة.

“إذا لم نتمكن من الذهاب لزيارة مسعفي الرعاية الطبية لأسباب أمنية ، فسيتم استكمال جميع الوثائق:  متابعة السجلات الطبية الشهرية للمرضى، و اعطاء بيان بعدد المرضى الذين تم نقلهم إلى المستشفى و نوع العلاج المقدم لهم، و كذلك أي إصابات أثناء الخدمة.

“هذا بالاضافة الى قائمة مراجعة المعدات الطبية ، وقائمة فحص الأدوية ، وسجلات الزوار ، وسجلات التدريب على اخلاء المصابين ، وأي أضرار قد تلحق بالمعدات ، بالإضافة إلى ضمان أن النقالات الخاصة بالميدان في حالة صالحة للآستخدام.”

وقال كروجر إن الوثائق التي يعدها مسعفو الرعاية الصحية ترسل كل شهر إلى المقر الرئيسي. ويشمل ذلك أيضا فحص المعدات الطبية وتواريخ انتهاء صلاحية الأدوية ، لضمان إمكانية تقديم أفضل رعاية ممكنة أثناء أي ظروف طبية أو إصابات في الموقع.

“بعض المعدات ليس لها تاريخ انتهاء صلاحية ، لكن يجب على المسعفين التحقق من أنها لا تزال في عبواتهم المغلقة. في حالة العمل داخل حقول الألغام ، لا يمكن للمسعفين العمل بشكل معقم بنسبة 100٪ ، لكنهم يحاولون تعقيم انفسهم قدر الإمكان لمنع حدوث العدوى، في مرحلة تأثير ما بعج الصدمة “.

سائقو الطوارئ الأساسيون

عامل آخر يدعم قدرة المسعفين على تقديم أفضل رعاية هو أن  تكون سيارة الإسعاف، أو سيارة الطوارئ، في حالة ميكانيكية سليمة ومتوقفة في نقطة المراقبة مع توجيه مقدمة السيارة  نحو أقصر طريق للوصول الى الطريق الرئيسى ، مع وجود المفتاح في موضع التشغيل والسائق متواجد في نقطة المراقبة.

أكد كروجر  ان ذلك “سيضمن أنه في حالة وقوع حادث بشكل مفاجئ، ستكون سيارة الطوارئ متاحة على الفور ، مما يضمن عدم إضاعة الوقت – ويتم علاج المرضى خلال الساعة الذهبية” .

يطلب من سائق سيارة الطوارئ ومسعف الرعاية الطبية بكل فريق أن يكونوا على  دراية بمكان وكيفية الوصول إلى أقرب منشأة طبية لضمان استقرار حالة المريض. في حال عدم قدرة المستشفى على التعامل مع الحالة، سيتم نقل المريض إلى أقرب منشأة طبية مناسبة، والتي قد تكون مستشفى إقليمي مثل تعز أو مأرب، أو عدن.

يعمل مسعفو الرعاية الطبية جنبا إلى جنب مع المنسقين الطبيين اليمنيين، وهم أطباء يوصفون بأنهم وسطاء بين المسعفين الدوليين و مسعفى الرعاية الطبية. حيث أنهم يساعدون الأطباء الأجانب  على فهم الإجراءات الطبية المحلية ، كما أنهم يمثلون أيضا نقطة الوصل لأفضل رعاية ممكنة للمرضى.

كما أن تمكنهم من الاطلاع على التقارير الطبية  يسمح لمشروع مسام بتحديد ما إذا كان يمكن علاج المريض محليا، أو يجب نقله إلى مدينة سيئون اليمنية أو مصر لتلقي العلاج المتخصص من خلال وثيقة التأمين الطبي لمشروع مسام.

يضمن هذا التدريب والإشراف العملي جاهزية وتوافر المعدات الطبية والمهنيين الطبيين في الموقع، ويضمن امتثال مشروع مسام لشروط وأحكام التعاقد بالإضافة إلى المعايير الدولية للأعمال المتعلقة بمكافحة الألغام.

 وعلى حد تعبير المسعف اليمني عبد السلام أحمد علي عبد الله، الذي يزور المسعفين المحليين في مركز الرعاية الطبية، ويقوم بعمليات التفتيش ويعمل مترجما للمسعفين الدوليين الذين يقدمون التدريب والدعم، فإن مسعفي إزالة الألغام هم ركيزة أي فريق يعمل في حقول الألغام.

أوضح عبد الله من العيادة التي يشاركها مع كروجر في عدن أن “الظروف التي تعمل فيها فرق الرعاية الطبية عالية المخاطر: إنها ظروف جبلية وصحراوية وساحلية ورملية. الجو ملئ بالغبار وحار. المسعفون ليسوا هناك فقط للتعامل مع الصدمات ولكن أيضا للتعامل مع الحالات الطبية المتعلقة بالبيئة التي يعمل فيها مزيلي الألغام “.

سيساعد مسعف الرعاية الطبية في الموقع في معالجة بعض الحالات الصحية أو الإصابات التي يمكن أن تنشأ بسبب ظروف الوظيفة كـ (الإنهاك الحراري ، والجفاف ، وردود الفعل التحسسية المحتملة ، والأمراض المزمنة) أو حتى الإصابات المرتبطة بالطبيعة مثل لدغات العنكبوت أو الثعابين، ولسعات العقارب، والنباتات السامة ، وكذلك الصدمات.

وأضاف عبد الله: “سيكون عليهم التعامل مع كل هذه الاصابات – في أسوأ السيناريوهات ، قد يكون عليهم التعامل مع عدة إصابات فى نفس الوقت – بعد حادث سيارة أو انفجار لغم”. “لن يكون فى الاستطاعة علاج المصاب اثناء الساعة الأولي الذهبية دون مساعدتهم. حيث سيكون هناك المزيد من الإصابات الدائمة، أو المزيد من الوفيات بعد الحادث الأولي”.

                                                                        P7A0001

مساعدة الآخرين

وضح لنا المسعف اليمنى قائلا،”في بعض المناطق، يأتى الينا بعض المواطنين لطلب المساعدة. حضرت الينا بعض الأمهات مع أطفالهن المحتضرين. كان أحدهم يبلغ من العمر ثلاث سنوات. كيف يمكنك أن ترفض مساعدته؟ هذا أيضا جزء من العمل في هذه المناطق.

ولأنه مشروع لإزالة الألغام، فإن مزيلي الألغام يكونون بالطبع في المقدمة، لكن المسعفين يعملون في الخطوط الخلفية، ولأن مزيلي الألغام لدينا يعملون عن قرب مع السكان المحليين، فإن المدنيين يأتون الينا نحن المسعفين طلبا للمساعدة، خاصة عندما تكون حالة طارئة أو حرجة”.

وأضاف عبد الله واصفا أهمية المسعفين في الأعمال المتعلقة بمكافحة الألغام: “في الموقع، يشبه الأمر مجتمعا بدون طبيب أو مستشفى. إنه يبدو كمكان بدون مرافق طبية أو مهنيين: أبسط مرض أو حادث سقوط يمكن أن يسبب إما إصابة دائمة أو الوفاة. هذا ما يمثله مسعفونا بالنسبة لديناميكية فريق إزالة الألغام”.

دور عالي المخاطر

وقال كبير المسعفين سبانز: ” للأسف تعرضت فرق إزالة الألغام التابعة لنا  لعدة حوادث أدت إلى وفيات وإصابات خطيرة، وحتى مسعفي فريقنا أصيبوا بجروح خطيرة في بعض هذه الحوادث”.

“حيث تعرض أحد مسعفينا لحادث مؤسف أدى إلى إصابته بإصابات خطيرة في أطرافه السفلية بعد أن مرت سيارة الطوارئ التي كان يستقلها فوق لغم مضاد للدبابات”.

أصيب طارق عبد الله ضيف الله العوضي، وهو مسعف في فريق 30 الخاص بالمسح في مأرب، في حادث انفجار لغم وقع يوم 26 أكتوبر 2020. كما أصيب أحد خبراء إزالة الألغام في الحادث. تظهر لقطات السيارة المهشمة والمحروقة على بعد أقدام من حفرة كبيرة جدا في الرمال.

“من حسن طالعنا أن  كان هناك فريق آخر لإزالة الألغام يعمل بالقرب من موقع الحادث وتمكن مسعف الفريق من مساعدة وعلاج المسعف المصاب ومزيل الألغام حتى تم نقلهما إلى المستشفى”.

وفي معرض حديثه عن الحادث، قال كروغر، الذي كان في مأرب في ذلك الوقت، إن المسعفين العاملين في مجال مكافحة الألغام معرضون لخطر أكبر بسبب طبيعة البيئة التي يعملون فيها، كما إن الألغام الأرضية والمواد المتفجرة تمثل التهديد الأول لمزيلي الألغام والمسعفين على حد سواء.

“اللغم الأرضي هو جندي مثالي: فهو يكمن في الأرض لسنوات ويهاجم من تلقاء نفسه دون تمييز بين رجل عسكرى أو مدني أو مسعف. [في حالة العوضي] لم يكن مهما أن سيارة الطوارئ الخاصة بنا كانت تحمل صليبا مميزا: انفجر اللغم الأرضي وأصاب مسعفنا”.

بعد إجراء العمليات الجراحية لساقه وحضوره  لجلسات إعادة التأهيل ، تعافى مسعف الفريق المصاب من إصابات العظام التي لحقت به، لكنه لم يعد قادرا على العمل في الميدان.

بعد أن عانى كثيرا خلال الحادث ، الذي تسبب في اصابة دائمة في كعبه وكاحله ، تم بتر الطرف السفلي للعوضي. ونظرا لإصاباته، تم إيقاف طارق طبيا من العمل كمسعف في مشروع مسام في مارس 2022.

بعد البتر، خضع طارق لمزيد من جلسات إعادة التأهيل وحصل على طرف اصطناعي بموجب سياسة واجب الرعاية الخاصة بمشروع مسام.

شارك المقال

واتس اب
لينكد إن
تويتر
الفيسبوك